ذكرى محمود درويش وأزمة الإبداع العربية

أغسطس 12th, 2009 كتبها سري سمور نشر في , إبداع وادب

 

ذكرى محمود درويش وأزمة الإبداع العربية

«أيها المارُّون بين الكلمات العابرة
احملوا أسماءكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكممن وقتنا، و انصرفوا
وخذوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة
و خذوا ماشئتم من صورٍ كي تعرفوا
أنكم لن تعرفوا
كيف يبني حجرٌ من أرضنا سقفالسماءْ» -عابرون في كلام عابر للراحل محمود درويش

 بقلم:سري سمور-جنين-فلسطين المحتلة
في التاسع من آب (أغسطس) من العام الماضي 2008 رحل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش ،مخلّفا وراءه فراغا كبيرا في ساحة الثقافة والإبداع الفلسطينية خاصة والعربية عامة ،هذا الفراغ الذي نخشى ألا يكون هناك من هو مؤهل لشغله،ونحن نحيي ذكرى درويش هذه الأيام علينا أن نحزن لحال الحركة الثقافية ومستقبل الإبداع العربي ،لا سيما ونحن نرى الموت يخطف كبار مبدعينا الواحد تلو الآخر ،مع شعور ينتابنا أن الفراغ الذي يتركه كل مبدع أكبر من أن يملأ ،وأن «الخليفة» لكل شاعر أو روائي أو مفكر غير موجود لدينا ،وبتنا في قلق ،وحق لنا أن نقلق على من تبقى لنا من رواد الفكر والثقافة والإبداع ،وما مصير الحركة الثقافية حين يتوفاهم الله؟وسبيل الموت غاية كل حيّ!
ولو استعرضنا من توفوا من أهل الفكر والإبداع خلال السنوات الخمس الماضية دون أن يسد مكانهم أحد لوجب علينا ألا نكتفي بالقلق ،ففي عام 2004 رحل الروائي العربي الكبير «عبد الرحمن منيف» بعد أن أثرى المكتبة العربية بأعمال روائية رفعت مكانة الرواية العربية إلى قمة سامقة.
وفي العام 2006 رحل الأديب والشاعر «محمد الماغوط» الذي قدم للمسرح السياسي العربي أعمالا حية لم تفقد بريقها حتى الآن.
وفي العام الماضي 2008 رحل المفكر الكبير«عبد الوهاب المسيري» الذي أصّل بأسلوب موضوعي ورؤية علمية لا تشوبها شائبة لمسألة اليهود واليهودية والصهيونية من خلال موسوعة استغرقت نحو عقدين من حياته،وتعتبر مرجعا لكل طالب أو باحث أو مهتم .
وفي بواكير العام الحالي 2009 رحل الأديب الرائع «الطيب صالح» بعد أن قدم أعمالا ،على قل

المزيد


غسان كنفاني…وما زالت جدران الخزان تُدق!-الجزء الثاني

تموز 28th, 2009 كتبها سري سمور نشر في , إبداع وادب

 

غسان كنفاني…وما زالت جدران الخزان تُدق!
(2-2)
من قلم:سري سمور-جنين-فلسطين المحتلة
 
مع غسان من جديد
طوال السنوات القليلة الماضية كنت مع أعمال غسان أتبع الانتقائية في الاطلاع،سواء مع تراثه أو ما كُتب ويُكتب عنه،فقررت قبل شهور إعادة قراءة أعمال غسان كنفاني كاملة ضمن برنامج زمني منظم،على اعتبار أنه رغم ضعف الذاكرة وتقهقرها عما كانت عليه قبل نحو عقدين من الزمن،إلا أن لتقدم السن دور في زيادة الوعي والنظر للنصوص نظرة تفضي لاكتشاف ما هو جديد ،فوضعت لنفسي برنامجا أفرغ منه في هذا الشهر الذي يصادف 37 سنة على اغتيال غسان كنفاني،على أن أكتب وأنشر هذا المقال بهذه المناسبة،ولكنني لم أستطع،ليس لخلل في برنامجي بقدر ما هو الخوف،نعم الخوف،فلم تعد لدي الجرأة للولوج إلى عالم غسان كما كنت سابقا؛فأدب غسان لم يتحول بعد إلى وثائق تاريخية لم يتبق منها إلا القيمة الأدبية والصور الفنية،لأن الأسئلة التي طرحها ما زالت قائمة ،ولأننا لا زلنا نقرع جدران الخزان،ونكبتنا متواصلة،والبرتقال ما زال حزينا…هذا الموقف سبق وأن حدث معي في مسلسل «التغريبة الفلسطينية» حيث أنني كنت أتابعه بشكل متفرق لا يخلو من الانتقائية عبر محطات عدة،بيد أني بقيت أتهرب من الحلقة التي تتحدث عن الفكرة المركزية وأعني حلقة الخروج والتشرد والتي جعلها المخرج شارة للمسلسل،وأخيرا حين قررت أن أتابع الحلقة أعددت لنفسي جلسة هادئة مع كومة من مناديل«الكلينكس» حيث أن البكاء سيكون سيد الموقف،ورغم محاولتي التماسك وحبس الدمع إلا أنني فقدت السيطرة على نفسي وحين كانت عائلة «أبو أحمد» وأهالي قريته يخرجون وجدتني أصرخ باكيا:وين رايحين..؟! وحتى من هم أكثر مني صلابة وتحمّلا اعترفوا بأنهم كانوا مثلي يتهربون من مشاهدة هذه الحلقة من المسلسل بالتحديد وحين قرروا ذلك لم يتحملوا الموقف مثلي أيضا!
وهذا ما استشعرته وأنا أحاول السفر مع أدب غسان من جديد،قد يبدو الأمر مجرد تهرّب من لحظات انفعال عاطفية عابرة؛ربما ولنفرض أن هذا صحيح ولكنه ليس عيبا،واكتشفت أنه من الأفضل لي الغوص في أعمال غسان كمتدرب سباحة مستجد…وأنصح الجميع بهذا!
 
فكرة واقت

المزيد


غسان كنفاني…وما زالت جدران الخزان تُدق!-الجزء الأول

تموز 17th, 2009 كتبها سري سمور نشر في , إبداع وادب

 

غسان كنفاني…وما زالت جدران الخزان تُدق!
(1-2)
من قلم:سري سمور-جنين-فلسطين المحتلة
احتلال الصليبيين للقدس وارتكابهم مذبحة رهيبة تمثلت بقتل عشرات الآلاف في باحات المسجد الأقصى كان في شهر تموز(يوليو) عام 1099م ،ولكن شهر تموز(يوليو) عام 1187م شهد الانتصار الأبرز للناصر صلاح الدين الأيوبي،رضي الله عنه، في معركة حطين على الجيوش الصليبية وهي المعركة التي مهدت لتحرير القدس بعد فترة قصيرة…فشهر تموز حمل على فلسطين حزنا تلاه الفرح ولو بعد حين.
وبعد مئات السنين تحزن فلسطين حزنا فوق أحزان تراكمت لسنوات طوال على انفجار هز منطقة الحازمية في العاصمة اللبنانية بيروت في الثامن من تموز(يوليو) عام 1972م راح ضحيته الشهيد«غسان كنفاني» الذي ولد في مدينة عكا عام 1936م وخاض تجربة اللجوء بكل تفاصيلها وتعقيداتها حتى قضى بتفجير لئيم غادر مع ابنة أخته في بيروت،ولم يفلح الانفجار الغادر بقتل روح غسان وما زال إشعاع إبداعه بعد رحيله يتألق ،وما زال غسان حاضرا بما تركه من أعمال حية ،يجد كل مهتم بالقضية الفلسطينية نفسه مجبرا –إذا لم يرغب- بمراجعتها والغوص في دقائقها!
رحلة المعرفة
قبل حوالي عشرين عاما تعرفت على غسان كنفاني ،وبدأت ألتهم أعماله بشيء من النهم والإعجاب،وكانت الذاكرة في بداية مرحلة الشباب قوية لدرجة أنني وعن ظهر قلب حفظت مقاطع كاملة من نصوصه،فقرة فقرة مع معرفة رقم الصفحة وموضع علامات الترقيم،وكان الخيال خصبا ومشحونا…وأنا متدثر في الفراش والنص بين يدي وأحملق فيه بعيني طرت بعيدا بعيدا؛تمكنت من اشتمام رائحة الزعتر البري ،رأيت فلاحا يلبس القمباز بطريقة تمكنه من نكش الأرض،وتجولت في حقول الزيتون،تأملت أمواج البحر وهي ترتطم بصخور الشواطئ،رأيت ثائرا خشنا يحمل بندقية عتيقة له شارب كث يدخن سجائر«الهيشة»…لم أعد في منزلي في مخيم جنين في نهاية الثمانينيات وأوائل التسعينيات… عدت إلى حواري وشوارع حيفا وعكا ويافا وقرى وجبال الجليل أيام الانتداب،وتجولت في أزقة مخيمات اللجوء والشتات في لبنان وسوريا ،ومع نصوص غسان ترى أشياء وتركب صورا حتى لو لم يرسمها لك مباشرة ،فهو قادر على أن يحملك إلى عالمه بسهولة ويجعلك تشعر بالحر والبرد والغضب والحزن والخوف ،ولعله مع نصوص أدب غسان اختلطت حكايات وأحاديث كبار السن عن الماضي الذي كان وانبثق عنه الحاضر،مما ساهم في تركيب صور واضحة لأدق التفاصيل وحيثيات الواقع.
لن أتورط في مسائل النقد والتحليل الأدبي فليس هذا من اختصاصي،وحتى ولو كان فإن لغسان خصوصية تجعل المهمة صعبة والطريق وعرا!
جدران الخزان تُدق!
في رواية «رجال في الشمس» يقودك غسان إلى تراجيديا فلسطينية من نوع خاص يتجاوز موضوع الرواية للمشهد الفلسطيني برمته؛تتحدث الرواية عن ثلاثة فلسطينيين (أبو قيس وأسعد ومروان) هم ورغم اختلاف تفاصيل حياة كل منهم عن الآخر بشكل عام إلا أن ما يجمعهم أنهم ضحايا للنكبة وتداعياتها وإفرازاتها،يقرر الثلاثة بسبب ظروفهم القاسية

المزيد