غسان كنفاني…وما زالت جدران الخزان تُدق!-الجزء الثاني

كتبهاسري سمور ، في 28 تموز 2009 الساعة: 22:36 م

 

غسان كنفاني…وما زالت جدران الخزان تُدق!
(2-2)
من قلم:سري سمور-جنين-فلسطين المحتلة
 
مع غسان من جديد
طوال السنوات القليلة الماضية كنت مع أعمال غسان أتبع الانتقائية في الاطلاع،سواء مع تراثه أو ما كُتب ويُكتب عنه،فقررت قبل شهور إعادة قراءة أعمال غسان كنفاني كاملة ضمن برنامج زمني منظم،على اعتبار أنه رغم ضعف الذاكرة وتقهقرها عما كانت عليه قبل نحو عقدين من الزمن،إلا أن لتقدم السن دور في زيادة الوعي والنظر للنصوص نظرة تفضي لاكتشاف ما هو جديد ،فوضعت لنفسي برنامجا أفرغ منه في هذا الشهر الذي يصادف 37 سنة على اغتيال غسان كنفاني،على أن أكتب وأنشر هذا المقال بهذه المناسبة،ولكنني لم أستطع،ليس لخلل في برنامجي بقدر ما هو الخوف،نعم الخوف،فلم تعد لدي الجرأة للولوج إلى عالم غسان كما كنت سابقا؛فأدب غسان لم يتحول بعد إلى وثائق تاريخية لم يتبق منها إلا القيمة الأدبية والصور الفنية،لأن الأسئلة التي طرحها ما زالت قائمة ،ولأننا لا زلنا نقرع جدران الخزان،ونكبتنا متواصلة،والبرتقال ما زال حزينا…هذا الموقف سبق وأن حدث معي في مسلسل «التغريبة الفلسطينية» حيث أنني كنت أتابعه بشكل متفرق لا يخلو من الانتقائية عبر محطات عدة،بيد أني بقيت أتهرب من الحلقة التي تتحدث عن الفكرة المركزية وأعني حلقة الخروج والتشرد والتي جعلها المخرج شارة للمسلسل،وأخيرا حين قررت أن أتابع الحلقة أعددت لنفسي جلسة هادئة مع كومة من مناديل«الكلينكس» حيث أن البكاء سيكون سيد الموقف،ورغم محاولتي التماسك وحبس الدمع إلا أنني فقدت السيطرة على نفسي وحين كانت عائلة «أبو أحمد» وأهالي قريته يخرجون وجدتني أصرخ باكيا:وين رايحين..؟! وحتى من هم أكثر مني صلابة وتحمّلا اعترفوا بأنهم كانوا مثلي يتهربون من مشاهدة هذه الحلقة من المسلسل بالتحديد وحين قرروا ذلك لم يتحملوا الموقف مثلي أيضا!
وهذا ما استشعرته وأنا أحاول السفر مع أدب غسان من جديد،قد يبدو الأمر مجرد تهرّب من لحظات انفعال عاطفية عابرة؛ربما ولنفرض أن هذا صحيح ولكنه ليس عيبا،واكتشفت أنه من الأفضل لي الغوص في أعمال غسان كمتدرب سباحة مستجد…وأنصح الجميع بهذا!
 
فكرة واقتراح
تجاوز غسان كل الحدود الأيديولوجية والحزبية والإقليمية،فهو مثل ريح طيبة تعبر الحدود وتنعش من تلامسه،فغسان أكبر من الإطار وأعظم من التصنيف؛مع الإقرار بحق الجبهة الشعبية الطبيعي بالفخر والشموخ كونه كان عضوا بارزا في مكتبها السياسي،وفي ذات الوقت يشمخ شعبنا الفلسطيني ويباهي كل الأمم والشعوب بأنه أنجب وقدّم هذه العبقرية الإبداعية المناضلة،فالجمع بين النضال والإبداع لا يحظى به إلا القليلون وكان المرحوم غسان كنفاني من هذه القلة…وكان غسان فلسطينيا أشع بعطائه الإبداعي والنضالي على هذا العالم…وحق لنا الفخر والاعتزاز به.
ولكن للأسف هناك من أبناء شعبنا من لم يبحر بعد في أدب وأعمال غسان خاصة جيل الشباب أو الكثير ممن هم تحت سن الأربعين؛ولهذا أسباب كثيرة منها مثلا طغيان المرئي على المطبوع وهي مشكلة عامة تعاني منها معظم الدول خاصة عالمنا العربي،وبحث ويبحث هذا الأمر على أعلى المستويات،وانبثقت عنه الكثير من الدراسات والتوصيات.
لدي فكرة واقتراح لزيادة عدد المبحرين في عالم غسان والذي هو عالمنا نحن الشعب الفلسطيني المنكوب والمجروح؛ففي مصر هناك مشروع «مكتبة الأسرة» والذي ترعاه السيدة سوزان مبارك عقيلة رئيس الجمهورية،حيث يوفر المشروع كتبا متنوعة:دينية وثقافية وعلمية تتناسب مع الدخل المالي لكل أسرة وبيت،وحتى الآن ومنذ عام 1994 جرى طباعة آلاف العناوين في شتى الحقول المعرفية والعلمية،ويمكن أن يكون لدينا محاكاة فلسطينية متدرجة وحسب الإمكانيات المتاحة للمشروع المصري بحيث تكون روايات غسان وأعماله في مقدمة العناوين،ويمكن التعاون مع المؤسسات الثقافية الوطنية لإخوتنا في الداخل الذين يتعرضون لمعركة ثقافية بلغت ذروتها مؤخرا بشطب تعبير أو تسمية «النكبة» من كتب أبنائهم المدرسية ،ولزيادة التشجيع والإقبال يمكن تنظيم مسابقات بجوائز مالية رمزية ؛مثلا أفضل مقال عن غسان وأدبه لطلبة المرحلة الثانوية،أو أفضل دراسة لطلبة الجامعات عن النكبة وتداعياتها في أدب غسان،أفضل قصيدة شعرية في رثاء غسان…إلخ،وكلي أمل بدراسة الاقتراح أو ما يوازيه من أفكار.
قلت في الجزء الأول من المقال بأن شهر تموز(يوليو) كان حزينا حين سقطت القدس ونفذت المذبحة الرهيبة في باحات الحرم الشريف،ولكنه كان شهرا سعيدا لانتصار حطين،وعليه فلنجعل من شهر تموز من العام المقبل شهرا نفرح فيه بشظايا إشعاعات إبداعات غسان كنفاني،مثلما كان حزينا لأنه شهد تفجير جسده!
اعتراف وأمل
في الواقع علينا أن نقر ونعترف بأن غسان كنفاني ورغم مضي 37 عاما ظاهرة لم تتكرر،ولا أعرف السبب الحقيقي رغم وجود تفسيرات عدة،ولكن ومع هذا الإقرار هناك أمل،وأمل كبير في قدرة شعبنا على أن يعيد إنجاب هذه التجربة النضالية والإبداعية مثلما أنجبها أول مرة ،ليكون لدينا غسان ثان نفخر به ويعاصر التحرر كما عاصر سابقه الأول النكبة.
رحم الله غسان فقد كان شعبا في رجل …ولم يمت إلا بعد أن كان ندا…تماما كما أوصى أبناء شعبه!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
سري عبد الفتاح سمور
قرية أم الشوف المدمرة قضاء مدينة حيفا المحتلة
الثلاثاء 6 شعبان 1430هـ،29/7/2009م
حاليا:جنين-فلسطين المحتلة
بريد إلكتروني:-
sari_sammour@yahoo.com
s_sammour@hotmail.com
 
 
 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إبداع وادب | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر