غسان كنفاني…وما زالت جدران الخزان تُدق!-الجزء الأول
كتبهاسري سمور ، في 17 تموز 2009 الساعة: 22:28 م

غسان كنفاني…وما زالت جدران الخزان تُدق!
(1-2)
من قلم:سري سمور-جنين-فلسطين المحتلة
احتلال الصليبيين للقدس وارتكابهم مذبحة رهيبة تمثلت بقتل عشرات الآلاف في باحات المسجد الأقصى كان في شهر تموز(يوليو) عام 1099م ،ولكن شهر تموز(يوليو) عام 1187م شهد الانتصار الأبرز للناصر صلاح الدين الأيوبي،رضي الله عنه، في معركة حطين على الجيوش الصليبية وهي المعركة التي مهدت لتحرير القدس بعد فترة قصيرة…فشهر تموز حمل على فلسطين حزنا تلاه الفرح ولو بعد حين.
وبعد مئات السنين تحزن فلسطين حزنا فوق أحزان تراكمت لسنوات طوال على انفجار هز منطقة الحازمية في العاصمة اللبنانية بيروت في الثامن من تموز(يوليو) عام 1972م راح ضحيته الشهيد«غسان كنفاني» الذي ولد في مدينة عكا عام 1936م وخاض تجربة اللجوء بكل تفاصيلها وتعقيداتها حتى قضى بتفجير لئيم غادر مع ابنة أخته في بيروت،ولم يفلح الانفجار الغادر بقتل روح غسان وما زال إشعاع إبداعه بعد رحيله يتألق ،وما زال غسان حاضرا بما تركه من أعمال حية ،يجد كل مهتم بالقضية الفلسطينية نفسه مجبرا –إذا لم يرغب- بمراجعتها والغوص في دقائقها!
رحلة المعرفة
قبل حوالي عشرين عاما تعرفت على غسان كنفاني ،وبدأت ألتهم أعماله بشيء من النهم والإعجاب،وكانت الذاكرة في بداية مرحلة الشباب قوية لدرجة أنني وعن ظهر قلب حفظت مقاطع كاملة من نصوصه،فقرة فقرة مع معرفة رقم الصفحة وموضع علامات الترقيم،وكان الخيال خصبا ومشحونا…وأنا متدثر في الفراش والنص بين يدي وأحملق فيه بعيني طرت بعيدا بعيدا؛تمكنت من اشتمام رائحة الزعتر البري ،رأيت فلاحا يلبس القمباز بطريقة تمكنه من نكش الأرض،وتجولت في حقول الزيتون،تأملت أمواج البحر وهي ترتطم بصخور الشواطئ،رأيت ثائرا خشنا يحمل بندقية عتيقة له شارب كث يدخن سجائر«الهيشة»…لم أعد في منزلي في مخيم جنين في نهاية الثمانينيات وأوائل التسعينيات… عدت إلى حواري وشوارع حيفا وعكا ويافا وقرى وجبال الجليل أيام الانتداب،وتجولت في أزقة مخيمات اللجوء والشتات في لبنان وسوريا ،ومع نصوص غسان ترى أشياء وتركب صورا حتى لو لم يرسمها لك مباشرة ،فهو قادر على أن يحملك إلى عالمه بسهولة ويجعلك تشعر بالحر والبرد والغضب والحزن والخوف ،ولعله مع نصوص أدب غسان اختلطت حكايات وأحاديث كبار السن عن الماضي الذي كان وانبثق عنه الحاضر،مما ساهم في تركيب صور واضحة لأدق التفاصيل وحيثيات الواقع.
لن أتورط في مسائل النقد والتحليل الأدبي فليس هذا من اختصاصي،وحتى ولو كان فإن لغسان خصوصية تجعل المهمة صعبة والطريق وعرا!
جدران الخزان تُدق!
في رواية «رجال في الشمس» يقودك غسان إلى تراجيديا فلسطينية من نوع خاص يتجاوز موضوع الرواية للمشهد الفلسطيني برمته؛تتحدث الرواية عن ثلاثة فلسطينيين (أبو قيس وأسعد ومروان) هم ورغم اختلاف تفاصيل حياة كل منهم عن الآخر بشكل عام إلا أن ما يجمعهم أنهم ضحايا للنكبة وتداعياتها وإفرازاتها،يقرر الثلاثة بسبب ظروفهم القاسية الدخول للكويت عبر الحدود العراقية،ولكن بطريقة التهريب،لعل أبواب الرزق تفتح في وجوههم،وفي مدينة البصرة يطلب منهم المهرّب دفع 15 دينارا عن كل فرد،وليس بمقدور الثلاثة أن يدفعوا مثل هذا المبلغ ،فيتعرف الثلاثة على «أبو الخيزران» وهو فلسطيني يعمل في التهريب سرّا ،ويعمل لدى أحد الأثرياء في الكويت (الحاج رضا) ومن هذا الثري كوّن أبو الخيزران شيئا من النفوذ والعلاقة التي جعلته يمر بلا تفتيش دقيق عبر الحواجز العراقية والكويتية،يطلب أبو الخيزران من كل منهم 10 دنانير مقابل تهريبهم إلى الكويت،تدفع له بعد الوصول ،و يتفق سرّا مع مروان على أن يدفع الأخير 5 دنانير،ويمثل أبو الخيزران شخصية الانتهازي الذي يهمه جمع المال ،ولا يفكر إلا بمصلحته الشخصية،ولدى أبي الخيزران سيارة نقل مياه قديمة ملحق بها خزان كبير صدئ فارغ.
يقنع أبو الخيزران أبطال الرواية الثلاثة بالسفر معه ليهرّبهم إلى داخل الكويت،على أن يركب أحدهم بجانبه في كابينة القيادة ويجلس الاثنان الآخران فوق خزّان المياه بالتناوب،وكل هذا في صيف قائظ وحرّ الصحراء الجهنمي،وقبل خمسين مترا من نقطة التفتيش يقنعهم بأن عليهم أن يدخلوا إلى خزان الماء ليتمم الإجراءات مع الجنود على الحاجز،ويشدد على أن الأمر لن يستغرق إلا دقائق معدودة ليس إلا،وبعد اجتياز حاجز التفتيش بخمسين مترا يقوم بإخراجهم؛وتنجح خطة أبو الخيزران عند نقطة التفتيش العراقية ،ويتحمل الثلاثة جحيم الخزّان الذي كاد يخنقهم،ولكن عند نقطة التفتيش الكويتية ،وقد أعاد السائق الكرة وأدخل الرجال الثلاثة إلى خزان الماء ،يقوم أحد العاملين على الحاجز بتبادل المزاح والحديث مع السائق أبو الخيزران،ويصر على أن يحدثه عن إحدى الراقصات،فيمر الوقت والرجال الثلاثة في الحر ونقص الهواء…لقد ماتوا بطريقة بشعة طبعا!
يفكر السائق أن يلقي بجثثهم في الصحراء ولكنه يتراجع ،ولتعبه وإرهاقه من الرحلة يتراجع عن دفنهم في قبر واحد أو قبور متفرقة،«فيهتدي» إلى إلقاء جثثهم قرب مكب للقمامة كي يأتي عمال البلدية صباحا فيدفنوهم بشكل لائق،ويقوم أبو الخيزران بأخذ ما معهم من مال وساعة كانت بيد أحدهم ،ثم يتساءل السائق سؤالا تردد صداه عبر الصحراء: لماذالم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟لماذا؟
يرى أغلب النقاد والمتابعين أن «رجال في الشمس» تجسد واقع الظلم الذي أصاب الشعب الفلسطيني ،وهنا لا بد من بعض الملاحظات الهامة والسريعة:-
1)كشف أحد أصدقاء غسان كنفاني وهو الباحث الاقتصادي«فضل النقيب» بأن غسان أخبره بأن ما جاء في الرواية هو قصة حقيقية!
2) أصبح تعبير «قرع أو دق جدران الخزّان» تعبيرا عالميا يستخدمه الصحفيون والأدباء والمحاضرون،ورجال السياسة والاقتصاد،وأناس عاديون،فهذه من إشعاعات التجربة الإبداعية لغسان كنفاني التي باتت عابرة للقارات متسللة لكل اللغات والفئات،حتى أنني قرأت هذا التعبير في مقالات مترجمة عن الصحافة العبرية،ولا أدري هل يعرف الصحفيون الإسرائيليون الذين استخدموا هذا التعبير من هو صاحبه،وأنه أحد ضحاياهم بأرضه ومدينته ثم روحه،أم وصل إليهم بطريقة أخرى؟على كل هم معتادون على الاقتباس ونسبته لأنفسهم وعلى السرقة أيضا!
3) في تحليل الرواية وما وراء السطور هناك فريق يرى بأن المقصود هو لوم لحالة العجز والسكوت،ولهذا لم يقرع الرجال جدران الخزّان،وفريق آخر يرى بأن الأمر إدانة على تجاهل صوت قرعات الخزّان؛وشخصيا أنا مع الفريق الثاني لأن المنطق الفطري يقول بأن الثلاثة وهم يشعرون بالاختناق والاحتراق قد قرعوا بكل ما في قبضاتهم المتعبة من قوة على جدران الخزّان ،لأن ما هم فيه أصعب مما قد يلاقوه إذا اكتشف أمرهم فقد يسجنون فترة ثم يرحلون،أو قد يعيدوهم من حيث أتوا دون سجن،ولكن التفسير هو أن دقاتهم لم تُسمع لانشغالهم(السائق وموظف الحاجز) بالحديث عن الراقصة «كوكب» أو أنها سُمعت وجرى تجاهلها…ومازلنا ندق جدران خزّان النكبات و القتل والتشرد واللجوء والفقر والتهويد والاستيطان والجدار ووو….قبضاتنا لم تتوقف عن دق جدران الخزّان منذ 112 عاما فلا يلومننا أحد أو يتهمنا بالقول بأننا لم ندقها!
،،،،،،،،،،،،
سري عبد الفتاح سمور
قرية أم الشوف المدمرة قضاء مدينة حيفا المحتلة
السبت 25 رجب 1430هـ،18/7/2009م
حاليا:جنين-فلسطين المحتلة
بريد إلكتروني:-
sari_sammour@yahoo.com
s_sammour@hotmail.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إبداع وادب | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























