موظف حكومي لا يملك سيارة:أكل هوا!!
كتبهاسري سمور ، في 13 أيار 2009 الساعة: 09:49 ص
موظف حكومي لا يملك سيارة:أكل هوا!!
كتبه بامتعاض وتشاؤم:سري سمور-جنين-فلسطين المحتلة
إنها حكاية الروتين والبيروقراطية تتكرر بضحك كالبكاء ؛تحدث عنها الكتاب والأدباء،ورسم عنها الرسامون صورا كاريكاتورية ساخرة،ولطالما شاهدنا تشخيصا لها عبر الشاشة الصغيرة خصوصا في مرايا «ياسر العظمة».
أخواتي (ثلاثة منهن مدرسات حكوميات) لطالما تحدثن لي عن الروتين والبيروقراطية حين تصيب أيا منهن وعكة صحية ،وتضطر الواحدة منهن للحصول على إجازة مرضية،وكنت أرى زملاء ومعارفيتعرضون لنفس المواقف لذات السبب؛التعب والنصب في إتمام واستكمال إجراءات الحصول على إجازة مرضية.
ولكن ،وهذا طبيعي،حين تعايش الأمر بنفسك فإن الانطباع الشخصي والتأثر بالروتين يكون له وقع أشد على النفس مما تسمعه من المحيطين بك؛وقد اعتدت وأنا بلا فخر موظف في القطاع العام أن آخذ إجازة من رصيد إجازاتي السنوية حين أصاب بوعكة صحية ،فرصيد الإجازات السنوية (30 يوما) كان عونا لي في تجنب الإجراءات المملة والطويلة،وأيضا-كما اكتشفت أمس- المكلفة ،فيما إذا رغبت بالحصول على إجازة مرضية!
الحكاية أنني صباح يوم أمس الثلاثاء 12/5/2009م اتجهت لدوامي في محافظة جنين ،ولكن منذ خروجي من منزلي شعرت بألم حاد في عيني اليمنى،واضطررت لفركها بعنف ،وبعد أن غسلتها وأخذت قطرة (Refresh) كانت بحوزتي ظننت أن الأمر انتهى ،ولكن الألم اشتد وأصبح لا يطاق،واتصلت بي زوجتي فقلت لها بأنني أريد الذهاب لطبيب العيون ،وأصرت على مرافقتي وحسنا فعلت ،كتبت إذنا خاصا لمغادرة المحافظة،ظنا مني بأن الطبيب سيعالج الأمر بسرعة وسأعود لدوامي كالمعتاد،وبفضل الله فأنا عندي سيارة متواضعة،وللصدق والصراحة السيارة لزوجتي،وبصدق أكثر هي هدية من والدها،بارك الله فيه،ركبت السيارة واتجهت لمنزلي فوجدت زوجتي وطفلتنا الصغيرة (حوالي 3 سنوات) فأوصلناها إلى بيت والدتي العزيزة،وفضلت أن تتولى زوجتي قيادة السيارة لأن حالة عيني كانت تزداد سوءا ،ووصلت إلى عيادة طبيب العيون،وبحمد الله لم يكن سوى مريضين قبلي ،وتوجهت زوجتي لقضاء بعض الحاجيات في السوق حتى أفرغ من عيادة طبيب العيون،طبعا توجهت لعيادة طب عيون خاصة،وليس لعيادة صحية حكومية،وهذا ديدن معظم الموظفين ،رغم أنهم جميعا يحملون بطاقة تأمين صحي،ولهذا أسباب كثيرة،منها الروتين والازدحام،وأمور أخرى!
حين فحص طبيب العيون عيني اليمنى أبلغني بما كنت أخشاه؛فعيني اليمنى مصابة بفيروس،لم يتردد الطبيب المحترم بوصفه بـ«اللؤم» ،وقد فضل الطبيب أن تغطى عيني فقام بإلصاق قطعة شاش بيضاء عليها،وأخذ يوجه لي النصائح للتخلص من آثار الفيروس اللئيم:-
-سأكتب لك قطرة ودهون عليك باستعمالهما 5 مرات يوميا..
-خمس مرات أوووه!
-نعم ،الشغلة مش مزحة،دير بالك،الفيروس بفضل الله لم يأت على منطقة وسط القرنية..
-حسنا حسنا،أنا موظف هل أعود لدوامي؟
-أين تعمل؟
-في محافظة جنين؟
-أها حكومي يعني،لع لازم ترتاح،رح أكتبلك تقرير طبي لترتاح باقي اليوم وغدا وبعد غد.
-لكن دكتور هذه عيادة خاصة بصير؟
-طبعا طبعا،يقومون بتفريغه في مديرية الصحة واعتماده،توكل على الله.
شعرت بنوع من الاطمئنان،واستبعدت لأول مرة فكرة أخذ إجازة من رصيدي السنوي،ما دام الأمر بهذه السهولة واليسر،وكم كنت مخطئا!
طبعا تغير شكلي وشعرت بشعور غريب مع قطعة الشاش الملتصقة بعيني اليمنى ولكن كما نقول دائما«تفاقيد ربنا رحمة» والمؤمن مأجور حتى ولو شاكته شوكة وهنا اتصلت بزوجتي وغادرت عيادة طبيب العيون،على أن أعود لها يوم الخميس القادم لمتابعة الحالة،وركبت مع زوجتي واتجهنا نحو مديرية الصحة المركزية في مدينة جنين ،وهنا بدأ مسلسل الروتين الذي ضحكت كثيرا من مشاهده التمثيلية عبر الشاشة الصغيرة،لأبكي منه حين أعاينه وأعاني منه.
دخلت إلى مديرية الصحة وسألت عن الغرفة التي يجب أن أتوجه إليها ،وبعد الدخول إليها،سألني الطبيب،وقد تفحص التقرير الطبي الموجه من طبيب العيون:-
-انت وين موظف؟
-في محافظة جنين.
-طيب ،هذا التقرير يجب أن يختم من المحافظة إذا!
-آه..طيب..ماشي.
-لحظة شوي..انت وين ساكن؟
-في حي الزهراء؟
-معناها بتروح بتختم التقرير من المحافظة،وبتروح على مديرية الصحة الواقعة غرب جنين!
-أووه…بعين الله!
غادرت مديرية الصحة المركزية،وتوجهت مع زوجتي إلى المحافظة،فزوجتي تحولت إلى سائق خصوصي لي،بفضل الله،رغم أنها حامل وعلى وشك الولادة،وكان الجو حارا ،فالصيف يزحف إلى جنين بسرعة أكبر من غيرها من المناطق،من المحافظة أخذت نموذجا خاصا لهذا الإجراء،وركبت مع زوجتي إلى مديرية الصحة الغربية،وهناك سألوني :أين بطاقة التأمين الصحي؟وكنت لضيقي من هذه الإجراءات ،وشعوري بالندم على السير فيها بدل أخذ إجازة من رصيدي السنوي تجنبا لها،كنت قد وصلت إلى بواكير حالة الغضب والعصبية والانفعال فأجبت بشيء من الحدة:-
-أنا كنت عند الدكتور،وتوقعت الموضوع بسيط،ومش حامل معي التأمين الصحي،بس بسيطة اتصلوا وتأكدوا بأنني من حملة التأمين!
هنا طلب مني الموظف الدخول وشرح قصتي للطبيب المختص،فاستجبت،وقد كان الطبيب لطيفا معي ،ومازحني،ويبدو أن منظري يغني عن أي شرح،فختم الورقة طالبا مني التوجه من جديد لمديرية الصحة المركزية لاعتماد الإجازة..تصاعد الدخان من رأسي وحوقلت واستغفرت وخرجت ،وطلبت من زوجتي أن أوصلها للبيت وسأقوم أنا باستكمال الإجراءات ،طبعا رفضت،وتوجهنا إلى مديرية الصحة،طبعا هي في كل مشوار تنتظرني في السيارة تحت أشعة الشمس،سيارتنا ليست مكيفة،وفي داخل مديرية الصحة المركزية وجدت زميلا أجريت له منذ أيام قليلة عملية جراحية في الركبة،ولكن هو مثلي عنده سيارة،فأبديت امتعاضي من هذا الروتين الكريه،وسألته:-
-يعني أنا وانت عنا سيارات،طيب الموظف اللي معندوش سيارة شو؟
أجابني بثقة:-
-اللي معندوش سيارة بوكل هوا!!
فعلا صدق الزميل،اللي معندوش سيارة بوكل هوا ،ولكن هل كل موظف لديه سيارة؟وماذا عن الموظفات المتزوجات،ذوات الأطفال؟فالجميع يمرض ويحتاج لإجازة،وهل نحن فعلا في القرن الحادي والعشرين؟هذا تخلف ،نعم تخلف وأقولها بلا تردد وليغضب مني من شاء ،ويجب أن أؤكد أنه لا توجد سيارات سرفيس بين الأماكن التي ذكرتها ،وإذا أراد الموظف أخذ سيارة تاكسي طلب فهذا معناه أنه سيدفع مبلغا كبيرا ،فكل طلب يساوي 7 شواقل.
طبعا لمن لا يعرف جنين ولتقريب صورة تنقلاتي :-
· أنا أسكن في حي الزهراء غرب جنين،ووالدتي في مخيم جنين.
· طبيب العيون الذي عالجني في شارع أبو بكر في سوق جنين.
· محافظة جنين تقع قرب دوار الجليل آخر الشارع العسكري(شمال).
· الصحة المركزية تقع قرب الغرفة التجارية بمحاذاة شارع الناصرة.
· الصحة الغربية تقع قرب شارع حيفا على طريق جنين-المخيم.
واحسب أيها الموظف،طبعا عدا حرق الأعصاب والشعور بالقهر ،والإيقان بالتخلف الذي نحياه ،واستشعار ما يحمله الروتين والبيروقراطية من إذلال للإنسان…ولله في خلقه شئون.
اليوم شعرت بتحسن ملحوظ في عيني،بحمد الله،فأحببت أن أستغل التحسن لكتابة تجربتي ،وأيضا كي أتوجه للموظفين والموظفات جميعا بالنصيحة لتعلم قيادة السيارات فورا بلا تردد،والسعي لشراء سيارة ولو بشكل جماعي ،لأن كل إنسان معرض للمرض،لأن البديل عن ذلك للموظف الحكومي هو:أكل الهوا!
،،،،،،،،،،،،
سري عبد الفتاح سمور
قرية أم الشوف المدمرة قضاء مدينة حيفا المحتلة
حاليا:جنين-فلسطين المحتلة
الأربعاء 17 جمادى الأولى/1430هـ،12/5/2009م
بريد إلكتروني:-
sari_sammour@yahoo.com
s_sammour@hotmail.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























مايو 14th, 2009 at 14 مايو 2009 6:51 ص
عزيزي الروتين في بلادنا كلها على نفس المنوال فلا تغضب فكلنا في الهم سواء
وفي غير هذا أعانكم الله فأنتم في أرض الرباط
مايو 24th, 2009 at 24 مايو 2009 12:37 ص
والله سلامات يا ابو نصر كان خذها من قصيرها وخذ اجازة من اجازاتك