التحولات الدولية…أين العرب؟!

كتبهاسري سمور ، في 31 آذار 2009 الساعة: 15:46 م

 التحولات الدولية…أين العرب؟!

بقلم:سري سمور-جنين

 

 

 

 

 

حين بدأ الزعيم السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف سياسة الغلاسنوست(الشفافية) والبريسترويكا(إعادة البناء)  أواخر ثمانينات القرن الماضي واتجه نحو واشنطن اتجاها ظاهره الندّية وباطنه «الاستسلام المحترم» كانت القراءة الصائبة تقول بأن نجم الشيوعية والمعسكر الاشتراكي قد بدأ بالأفول، وأن ساعة تلاشي نظام القطبين العالمي الذي استمر نحو أربعة عقود قد أزفت،وصدر بيان نعي الإمبراطورية السوفياتية مبكرا، على الأقل بالنسبة لمن لم يحسن قراءة موسكو غورباتشوف لأنه كان مسكونا بموسكو ستالين أو بريجنيف!

قد يرى البعض أن هذه القراءة مبالغ فيها إذا اخترنا إسقاطها على الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، وأنه من السابق لأوانه الاستعداد لسماع بيان نعي نظام القطب الواحد بزعامة واشنطن ، وأن مجيء الرئيس باراك أوباما إلى البيت الأبيض وما تشهده أمريكا ومعها كثير من دول العالم من أزمة مالية ، وتحولات اجتماعية واقتصادية وصلت إلى حد المطالبة بإعادة النظر بأسس النظام الرأسمالي وتفرعاته و«دولاراته» ليست سوى سحابة صيف ،  أو كبوة فارس ماهر ، وأن أمريكا ستظل ممسكة بالمعادلة الاقتصادية وبالتالي السياسية والعسكرية للكرة الأرضية لثلاثين سنة قادمة على الأقل ، ولست هنا بصدد تقديم صيغة تبشر بما بشر به من أحسنوا القراءة إبان بداية التفكك في المنظومة الاشتراكية  ، إلا أنه يجب التأكيد على أن أمريكا اليوم ليست هي أمريكا غداة الحرب العالمية الثانية وليست هي أمريكا أيزنهاور ، وليست أمريكا رونالد ريغان ، وليست أمريكا جورج بوش الأب ، بل حتى ليست أمريكا قبيل الحادي عشر من أيلول(سبتمبر) 2001 وما تلا هذا التاريخ من أحداث  جسام وصولا إلى الحالة الأمريكية اليوم،فنظام القطب الواحد بزعامة واشنطن يبدو لمن يمعن النظر أنه في منحى التراجع والهبوط وصولا إلى التلاشي.

ولا يفوت أي قارئ للخريطة التاريخية الدولية  أن عصرنا هو عصر السرعة في التغيرات والتبدلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ فكما أن تنقل الناس والبضائع وانسياب المعلومات وتدفقها بات يسيرا وسريعا بفضل التكنولوجيا والاختراعات ، فالتغير في موازيين القوى لا يخرج عن هذا الوصف فالعالم يشهد تحولات سياسية واقتصادية عميقة وجذرية ، ولا مبرر للخطأ في تقدير الموقف!

ولكن أين نحن العرب من تلك التغيرات والتحولات؟ وما مصيرنا أثناءها وما بعدها؟ولعل العرب أوطانا وشعوبا هم من أكثر أو الأكثر تأثرا بتقلبات موازين القوى والتحولات الاقتصادية و السياسية في العالم ، بفعل مساحة البلاد العربية وموقعها الجغرافي وما تحويه الأرض العربية من ثروات طبيعية تجعلها ـ مع الأسف ـ محل تنافس من سيفوز ( أو سيفوزون ) بالسباق الدولي !

 

ضعف السلطنة العثمانية أدى لسقوط العديد من الأوطان العربية التي كانت تابعة لها في قبضة الاستعمار الأوروبي لعشرات السنين ، بل إن الجزائر مثلا خضعت لاستعمار فرنسي حوالي 130 سنة ، وتفكك الدولة العثمانية بالضربة القاضية في الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) أدى لتقاسم بلدان المشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا وإقامة إسرائيل ( اتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور)، وانهيار نظام القطبين الدولي قاد العرب الذين كانوا منقسمين في ولاءهم بينهما إلى مزيد من التفكك والخلافات والتعقيدات الاقتصادية ، وتراجع طال كل شيء : التعليم والثقافة والإنتاج والأداء السياسي ، وتزايدت نسبة الفقر والبطالة ،وتنامت ثقافة وممارسات الاستهلاك المتناسب عكسيا مع الإنتاج، وارتفع عدد الراغبين في الهجرة أو من هاجروا فعلا إلى خارج البلاد العربية ، أي  أن العرب كانوا دائما الخاسر الأكبر مع كل تحول دولي ، أو كما قال مناحيم بيغن يوما:« إذا سقطت قطعة العملة المعدنية يخسر العرب، وإذا سقطت على وجهها الآخر لا يربح العرب!».

هناك من هو متفائل من التغيرات الدولية الجارية ويرى بأنها على غير ما كان عليه الحال منذ حوالي مئة سنة ستصب في صالح العرب على مختلف الصعد والمستويات ، أتمنى ذلك ، ولكن الأماني وحدها لا تكفي ، وليس بالتمني والوقوف على جانب الأمم أو هامشها وانتظار  وقوع المعجزات نتخلص مما نحن فيه من مشاكل وتبعات لكوارث متتالية طالعت أجيالا عربية ظلت تتغنى بالأمجاد وتنتظر تحقيق النهضة العربية ، وبقينا ننتظر الفارس أو « القائد السوبر» الذي سينتشل الأمة من آثار الهزائم والفقر والتخلف والعجز والهوان … ولا نعلم كم سيطول الانتظار!

في خضم ما يجري من تحولات وتغيرات لا يبدو أو وضع العرب يسير وفق الأمنيات ، فالتاريخ يُصنع فوق ظهورهم لا بأيديهم ، وهذه ليست دعوة للتشاؤم وانتظار مستقبل  أسود بقدر التنبيه والتذكير بأن كل خسارة كانت أسوأ من التي سبقتها خلال قرن من الزمان العربي ، ولسنا بحاجة للمزيد من الخسائر ، إذا كنا لن نربح كنتيجة للتغيرات المتسارعة الجارية،وذلك أضعف الأيمان .

في كل ملف يبدو الأداء العربي ضعيفا ومترددا ، إذا اخترت اللباقة ولطيف الكلام والتعبير ، فعلى صعيد القضية الفلسطينية التي مضى عليها عقود طويلة نرى الضعف والعجز والارتباك ، وعدم الثبات على موقف وانحسار الخيارات حتى أن الخيار لم يعد الحرب ولا السلم ولا حتى اللاحرب واللاسلم بل الخيار في التعامل مع القضية الأهم عربيا هو « اللاخيار»!

وكل قطر عربي مثخن بالمشاكل التي لا يبدو أن لها في الأفق حلا ولو مؤقتا فمشاكل الحكم والمعارضة وعجز الطرفين عن بلورة صيغة أو عقد اجتماعي يتلاءم مع حجم التحديات ويضع مصلحة الوطن والأمة فوق مصلحة الحكم والمعارضة ، ومشكلة الأقليات والعرقيات غير العربية في بلاد العرب  التي باتت ملفا ساخنا وعجز العرب عن التعاطي معه بديناميكية وخطط معالجة شاملة ومقبولة لها وللعرب ،وما قاد إليه هذا الملف وما سيقود إليه لاحقا من تدخلات خارجية تهدد العديد من البلدان ، وتأتي التغيرات في ظل وقائع على خريطة العالم العربي تجعل التحرك صعبا ؛فإضافة إلى ما جرى للعراق وما يجري للسودان وما قد يجري لأوطان أخرى تمتاز بكبر المساحة والسكان  ووجود الثروات الطبيعية واتساع حجم التأثير،نرى انقساما عربيا وتفضيلا لمبدأ القطيعة بدل الحوار والتواصل ، والمناكفة والتنابذ بدل التفاهم على ما يمكن تبني برنامج مشترك حوله ، على الرغم من الإجماع من قبل كل الأطراف أن عوامل التفاهم والتعاون والوحدة أكثر وأكبر من طوارئ الانقسام والاختلاف،ولا زال العرب يتلقفون بحالة تكاد تشبه اللاوعي كل مصطلحات وأوصاف الآخرين ،وليس أدل على ذلك الاستخدام المسلّم به لمصطلحات من قبيل «دول الاعتدال» و«محور الممانعة» حتى اللحظة ،رغم أنها أوصاف أمريكية بامتياز،وهي من «إبداعات» إدارة أمريكية رحلت بلا رجعة!

 ما العمل والحال كذلك؟ليس لدى أحد من المستوى السياسي ولا الثقافي ولا عامة الشعب من أفراد وجماعات ـ وما أكثرها ـ عصا سحرية أو وصفة علاجية قابلة معقولة،فكل ما يجري تداوله من «حلول» إما مسكنات أو دعوات للانتحار أو الاستسلام أو الانتظار للمعجزة ـ وكم انتظرناهاـ وليس من المنطقي دفن الرؤوس في الرمال فعلى الأقل على العرب السعي لتجنب الخسائر أو الخروج بأقلها ، في المرحلة الحالية والقادمة من التحولات الدولية ، فبرغم كل ما سبق من بواعث الإحباط والفشل واليأس فإن للعرب ما يمكن أن يستندوا إليه ، فالعرب أهل أكثر الأديان ، أي الإسلام، انتشارا واستقبالا للمعتنقين ، والعرب أصحاب تاريخ وحضارة وثقافة راسخة ،و رغم كل ما جرى للعرب فإنهم لم يلاقوا مصير الهنود الحمر أو سكان استراليا الأصليين ، وحالهم بالتأكيد أفضل من حال شعوب إفريقية  كثيرة وكبيرة ،والعرب أمة شابة وفتيّة، ومجرد الشعور بالخطر ووجود الهمّ والحزن في صدور الأفراد بمختلف مستوياتهم لما عليه حال الأمة يدل على أن العرب أمة حية لن تنقرض،ومقاومة العرب،حتى ولو كانت غير منظمة،لكل المشاريع التي استهدفتهم،تثبت أن الذوبان ليس من خصائصهم، فهل نربح أو على الأقل لا نخسر مما هو قادم من تحولات عالمية ؟ نسأل الله ذلك. 

،،،،،،،،،،،

سري عبد الفتاح سمور

قرية أم الشوف المدمرة قضاء مدينة حيفا المحتلة

حاليا:جنين-فلسطين المحتلة

الثلاثاء 5/ربيع الآخر/1430هـ،31/3/2009م

بريد إلكتروني:-

sari_sammour@yahoo.com

sari_sammour@maktoob.com

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر